ابن حجة الحموي

236

خزانة الأدب وغاية الأرب

القصيدة في أربعة أشهر ويهذبها وينقحها في أربعة أشهر ويعرضها على علماء قبيلته في أربعة أشهر ويروى أنه كان يعمل القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في أحد عشر شهرا ولا جرم أنه قلما يسقط منه شيء ولهذا كان الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جلالته في العلم وتقدمه في النقد يقدمه على سائر الفحول من طبقته وما أحسن ما أشار أبو تمام إلى التهذيب بقوله خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى * والليل أسود رقعة الجلباب فإنه خص تهذيب الفكر بالدجى لكون الليل تهدأ فيه الأصوات وتسكن الحركات فيكون الفكر فيه مجتمعا ومرآة التهذيب فيه صقيلة لخلو الخاطر وصفاء القريحة لا سيما وسط الليل والنفس قد أخذت حظها من الراحة بعد نيل قسطها من النوم وخف عليها ثقل الغذاء وصح ذهنها وصار صدرها منشرحا وقلبها بالتأليف منبسطا وما قدموا وسط الليل في التأليف على السحر مع ما فيه من رقة الهواء وخفة الغذاء وأخذ النفس سهمها من الراحة إلا لما يكون فيه من انتباه أكثر الحيوان الناطق وارتفاع معظم الأصوات وجرس الحركات وتقشع الظلماء بطلائع الأضواء وبدون ذلك ينقسم الفكر ويشتغل القلب ووسط الليل خال مما ذكرناه ولهذا خص أبو تمام تهذيب الفكر بالدجى عادلا عن الطرفين لما فيهما من الشواغل المذكورة وحكت الثقات عن أبي عبادة البحتري الشاعر قال كنت في حداثتي أروم الشعر وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه واتكلت في تعريفه عليه فكان أول ما قال لي يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السحر وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء وصفا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء وسكنت الغماغم ورقت النسائم وتغنت الحمائم وإذا شرعت في التأليف تغن بالشعر فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه واجتهد في إيضاح معانيه فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقا والمعنى رشيقا وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الأشواق ولوعة الفراق والتعلل باستنشاق النسائم وغناء الحمائم والبروق اللامعة والنجوم الطالعة والتبرم من العذال والوقوف على الأطلال وإذا أخذت في مدح سيد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه وأرهب من عزائمه ورغب في مكارمه واحذر المجهول من المعاني وإياك أن تشين شعرك بالعبارة الردية والألفاظ الوحشية وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام وكن كأنك خياط تقدر الثياب على مقادير الأجسام وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب ولا تنظم إلا بشهوة فإن الشهوة نعم المعين على حسن النظم وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين فما استحسن العلماء فاقصده وما استقبحوه فاجتنبه انتهت وصية أبي تمام وأورد العلامة زكي الدين بن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير وصية لنفسه أوردها أيضا على نوع التهذيب والتأديب فاخترت منها ما هو اللائق بالحال وأولها ينبغي لك أيها الراغب في العمل السائل عن أوضح السبل أن تحصل المعنى قبل الشروع في النظم والقوافي قبل الأبيات قلت وهذا مذهبنا ثم قال ابن أبي الأصبع ولا تكره الخاطر على وزن مخصوص وروي مقصود وتوخ الكلام الجزل دون الرذل والسهل دون الصعب والعذب دون المستكره والمستحسن دون المستهجن ولا تعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل والنفيس معه خسيس والخواطر ينابيع إذا رفق بها جمت وإذا كثر استعمالها نزحت واكتب كل معنى يسنح وقيد كل فائدة تعرض فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت وإن لم تستعطف بالتكرار عليها صدت والترنم بالشعر مما يعين